بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله .. اما بعد ..
في الوقت الذي تسعى فيه الدول إلى جذب السياح وتشجيعهم على الإنفاق داخل أسواقها لدعم الاقتصاد المحلي، يظهر لدينا نوع غريب من الكرم، كرمٌ يثير العجب أكثر مما يثير الإعجاب.
فبعض المواطنين – بدافع النخوة وحب إكرام الضيف – يرفضون أن يسمحوا للسائح الأجنبي بدفع ثمن مشترياته، ويصرّون على الدفع عنه وكأنهم يخوضون معركة الشرف الوطني!
النية طيبة، بلا شك. لكن النية وحدها لا تصنع فائدة.
حين يمنع المواطن السائح من الإنفاق، فإنه في الحقيقة يحرم وطنه من دخلٍ سياحيٍ مشروع، ويكسر حلقة اقتصادية قائمة على إنفاق الزوار داخل البلد.
إن كل ريال يدفعه السائح في مطعم أو سوق شعبي، هو دعم مباشر لعاملٍ محلي، أو لصاحب متجر صغير، أو حتى لخزينة الدولة عبر الضرائب والرسوم.
وهو دخل تسعى الدولة جاهدة في الحصول عليه عبر مايسمى ( الدخل غير النفطي )
ومن ضمن رؤية المملكة 2030 تعزيز القطاعات غير النفطية وذلك بالتركيز على تنمية قطاعات مثل السياحة، الصناعة، الخدمات، والرياضة والترفيه لتقليل الاعتماد على النفط .
لكن حين يدفع المواطن الثمن نيابة عن السائح، فإن هذا الريال يتحول من استثمار في الوطن إلى مجاملة عابرة لا مردود لها.
وفي المقابل… حين نسافر إليهم لا نجد من يساعدك او يدفع عنك او حتى يسامحك في اقل القليل ..
هناك لا أحد يقول لك: “أنت ضيفنا”، بل كل شيء له ثمن.
يحاسبك النادل على كوب الماء ، ولا أحد هناك يرى في ذلك قلة ذوق أو يعتبره بخلاً، بل نظاماً واحتراماً للاقتصاد.
لأنهم يقدرون مفهوم السياحة وفائدته على وطنهم ومن ثم عليهم كمواطنين .
بينما نحن نرى أن السائح إن دفع ريالاً واحداً، فقد أسأنا لضيافته، ونسينا أن أعظم الإكرام هو احترام النظام الاقتصادي، لا خرقه بحسن نية.
ومن المفارقات العجيبة ، ان مثل هؤلاء حينما يكون هنالك مواطن مثله يحتاج الى من يدفع عنه اما لعوز او لظرف معين فإنه لا ينظر اليه في الغالب .
الوطن لا يحتاج إلى جيوب مفتوحة، بل إلى عقولٍ تعرف كيف تكرم وتفيد في الوقت ذاته.
كرمنا يجب أن يكون في حسن التعامل، والنظافة، والابتسامة، والأمان، لا في دفع فواتير الآخرين.
فالسائح حين يدفع، لا يُهان، بل يشارك في بناء اقتصاد الوطن.
فلنتركه يدفع، وهو ممتن وسعيد، ولنحتفظ بكرمنا في مواضعه الحقيقية.
الكرم قيمة عظيمة، لكنه إن خرج عن مساره تحوّل من فضيلة إلى عبء.
فلنكن كرماء بعقولنا، لا بجيوبنا، ولنتذكر أن الوطن أولى بكل ريال يصرف فيه، سواء أكان من مواطنٍ أم من سائحٍ .
الكاتب : عبدالله البقمي
