حتى التفكير أصبح يقاس بمقياس السرعة والزمن ، وبما أننا في عصر السرعة والتطور المتسارع ، فالتفكير ايضاً يريد أن يأخذ له مكاناً ، وقد يتخلى عن مكانته العالية الراقية ، لكن السؤال لماذا يمنع دخول الاذكياء ؟
سأحاول الإجابة على خلال أسطر هذا الموضوع وربما لا أجيب ، لأن (الأذكياء ) فقط! اعتقد لم يكملوا قراءة الموضوع ، والذين يتابعون قراءة هذه الاسطر ، هم العقلاء !
نعم ( الذكاء ) لا يعني (العقلانية ،)
وفقًا للعديد من الدراسات العلمية، يمكن أن يكون الأذكياء أكثر عرضة لارتكاب الأخطاء والحماقات ، كما جاء في كتاب "لماذا يرتكب الأذكياء الحماقات"، لمايكل جرين ؟ حيث يعتبر الذكاء من الصفات المرغوبة والتي يتمنى الكثيرون الحصول عليها، فهو : يعكس القدرة على التعلم والتكيف والتفكير العميق في المواقف المختلفة. ومع ذلك، فإن الاذكياء هم اكثر عرضة لارتكاب أخطاءً أو أفعالًا غير حكيمة تبدو متناقضة مع مستواهم الذهني. والسؤال هنا لماذا ؟
قد يفتقر الأذكياء إلى الحكمة العملية والخبرة المتراكمة، وقد يعتمدون على الذكاء العام وحده دون مراعاة العوامل الأخرى التي تؤثر على اتخاذ القرارات الحكيمة. كما قد يصاب الأذكياء بالغرور والتكبر، ويعتبرون أنفسهم أكثر قدرة وذكاءً من الآخرين، مما يؤدي إلى ارتكاب الأخطاء والحماقات.
أما العقلانية هي : صفة متعلقة بالحكمة والتفكير الواعي، وأن الذكاء هو صفة متعلقة بالقدرة على الحصول على المعرفة والتعلم. ومن هذا المنطلق، يمكن أن يرتكب الأذكياء الأخطاء عندما يفتقرون إلى العقلانية والحكمة في تفسير وتطبيق المعلومات التي يحصلون عليها. ومن بين الأمثلة التي يُذكرها جرين في كتابه، هي قصة الطبيب الأمريكي إرنست دوشرتي، الذي كان يعتبر من أشد المعارضين لإجراء التحاليل قبل إجراء الجراحة. وبعد أن قام بإجراء دراسة على عدد من المرضى، وجد أن نسبة الأخطاء قد انخفضت بشكل كبير بعد إجراء التحاليل.
أحد التعاريف المعروفة للذكاء هو التعريف الذي قدمه جي. أف. روبسون، وهو عالم نفس بريطاني. ويقول روبسون إن الذكاء هو "القدرة على التفكير، والتفاعل مع الآخرين، والفهم، والتعلم، والفهم الاجتماعي". ويضيف أن الذكاء يشمل القدرة على التكيف مع المواقف الجديدة والمتغيرة، وحل المشكلات الخلاقة، والتعلم من الخبرة والتكيف مع التغييرات في البيئة.
أما تبرمان صاحب تجربةً (Terman's Termites) هي دراسة طويلة الأمد قام بها العالم النفسي الأمريكي لويس تبرمان (Lewis Terman) في عام 1921، واستمرت حتى عام 1959. تهدف الدراسة إلى فهم العوامل المؤثرة في النجاح الأكاديمي والمهني والاجتماعي، وتتبع مسار حياة مجموعة من الأطفال الذين يتمتعون بمستوى عال من الذكاء.
حيث أن الذكاء حسب تبرمان يمثل القدرة على التعامل مع المعلومات بطريقة فعالة وتطبيقها في الحياة اليومية. ويشير تبرمان أيضًا إلى أن الذكاء يشمل العديد من المهارات العقلية المختلفة، مثل الذاكرة والتعلم والتحليل والاستنتاج والابتكار والتفكير الناقد.
وعليه يمكن وضع الفرق بين الذكاء والعقلانية في أن الذكاء يشير إلى :
القدرة على الحصول على المعلومات وتحليلها وفهمها،
في حين أن العقلانية تشير إلى :
القدرة على استخدام العقل بشكل متوازن ومنطقي وتحليلي لاتخاذ القرارات والتصرف بشكل صحيح في المواقف المختلفة.
اذن ما علاقة الذكاء بالعقلانية بالتفكير البطيء ؟ وهل هناك تفكير بطيء وآخر سريع ؟
يُعرف التفكير البطيء بأنه : عملية التفكير المنهجية العميقة التي تحتاج إلى وقت وجهد لإتمامها. وعلى العكس منه، يُعرف التفكير السريع بأنه : العملية الذهنية السريعة التي يستخدمها الإنسان لاتخاذ القرارات في حياته اليومية.
يعتبر التفكير البطيء أحد الأساليب الفعالة في اتخاذ القرارات الصحيحة، حيث يساعد على تحليل المعلومات بشكل أفضل وتقييم الوضع بطريقة أكثر دقة. وأظهرت الدراسات أن التفكير البطيء يمكن أن يحسن القدرة على اتخاذ القرارات الصحيحة والتخطيط للمستقبل بطريقة أفضل ومن الأمثلة التي توضح تأثير الذكاء والتفكير البطيء . . الحادث النووي في تشيرنوبل: حيث يُعد الحادث النووي في محطة تشيرنوبل في أوكرانيا عام 1986 أحد أسوأ الكوارث البيئية والصحية في التاريخ. وقد تم تحديد السبب الرئيسي للحادث بأنه تم اتخاذ قرارات خاطئة بشأن التشغيل والصيانة. ولو تم استخدام التفكير البطيء والتفكير العميق في تقييم المخاطر واتخاذ القرارات المناسبة، لكان بإمكان الفرق الفنية تفادي الحادث.
ويعتبر التفكير البطيء أحد عناصر الذكاء العام، ويتضمن القدرة على التحليل الهادئ والدقيق، والتفكير في الأمور بعمق وتمعن، والتأمل والتفكير الشامل في الأمور. وتشير الأبحاث العلمية إلى أن التفكير البطيء يمكن أن يكون مفيدًا في حل المشكلات الصعبة، وفي تطوير الإبداع والابتكار، وفي تعزيز الذاكرة والتعلم العميق.
هناك العديد من الدراسات التي تتناول العلاقة بين الذكاء والعقلانية وكيفية تأثيرهما على الحياة اليومية للأفراد. ومن المهم الإشارة إلى أن الذكاء والعقلانية عادة ما يتم تطويرهما وتحسينهما عن طريق العمل على تنمية المهارات العقلية مثل التفكير النقدي وحل المشكلات واتخاذ القرارات وغيرها.
هناك العديد من الطرق التي يمكن استخدامها لتحسين العقلانية، ومن بين هذه الطرق:
1. التدريب العقلي: القيام بتدريبات عقلية مثل حل الألغاز والتحليل النقدي والتفكير الابتكاري لتحسين العقلانية.
2. الاهتمام بالصحة العامة: بما في ذلك النوم الجيد والتغذية المتوازنة والتمارين الرياضية المنتظمة.
3. تنمية المهارات الاجتماعية: مثل التواصل الفعال وحل المشكلات بشكل جماعي والتعاون مع الآخرين.
4. القراءة والتعلم: والتعلم واكتساب المعرفة الجديدة وتوسيع دائرة المعرفة.
5. التفكير الإيجابي: يمكن تحسين العقلانية من خلال التفكير الإيجابي وتجنب التفكير السلبي وتحديد الأهداف وتحقيقها.
6. الاسترخاء والتأمل: يمكن تحسين العقلانية من خلال الاسترخاء والتأمل وتخفيف التوتر والقلق وتحسين الانتباه والتركيز.
7. تقليل الإجهاد: يمكن تحسين العقلانية من خلال تقليل الإجهاد والضغوط النفسية وتنظيم الوقت والتخطيط الجيد.
وبشكل عام، يمكن القول إن التفكير البطيء يمثل أداة مهمة في حياتنا اليومية، ويمكن استخدامه في مجالات مختلفة لتحسين قدراتنا العقلية واتخاذ القرارات الصحيحة. ومع تطور التكنولوجيا والتقدم العلمي، يصبح التفكير البطيء أكثر أهمية في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، حيث يتم استخدامه لتحليل البيانات الضخمة واتخاذ القرارات بشأن المشكلات المعقدة. ولذلك، يجب علينا جميعاً التفكير في استخدام التفكير البطيء كأداة أساسية في حياتنا اليومية.
ومن المهم أن يعرف الشخص أن الصحة العقلية هي جزء أساسي من الصحة العامة، ويجب علينا البحث عن المساعدة عندما نشعر بالقلق أو التوتر أو الاكتئاب أو أي مشكلة صحية أخرى.
تحياتي
د. عثمان عطا
Oatta17@gmail.com

