بسم الله الرحمن الرحيم ..
والحمدلله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده .. اما بعد ..
في كلِّ يومِ جمعة، تجتمع القلوب قبل الأجساد في بيوت الله، ويجلس المسلم منتظراً لحظة الخطبة التي هي من أعظم شعائر هذا اليوم المبارك. فهي ليست مجرد كلمات تُقال، بل موعظة تُحيي القلوب، وتذكير يعيد ترتيب النفس، وربطٌ مباشر بين العبد وربه. ومع ذلك، ظهرت في السنوات الأخيرة ظاهرة مؤلمة؛ الا وهي : انشغال بعض المصلين بهواتفهم أثناء الخطبة، وكأنهم لم يأتوا لأجلها.
وقد بيّن النبي ﷺ خطورة الانشغال عن الخطبة بأبسط الأمور، فقال: «من مسَّ الحصى فقد لغا». ولم يكن المقصود الحصى بذاته، بل المعنى الأعمّ: كل ما يشغل المسلم عن الاستماع والإنصات. فإذا كان مجرد لمس الحصى _ وهو عمل يسير لا يُقارن _ يُعد لغواً، فكيف بمن ينشغل بهاتفه، يفتح الرسائل، ويتصفح التطبيقات، وربما يرد ويكتب ويتابع؟!
إن هذا الانشغال ليس مجرد تقصير، بل هو حرمان عظيم؛ لأن اللغو أثناء الخطبة يُذهب أجر الجمعة. ويؤكد ذلك حديث آخر: «إذا قلتَ لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت». تأمل! لم يقل كلمة محرمة، بل أمر بمعروف ( أنصت ) ومع ذلك عُدَّ لغواً لأنه شغل نفسه وغيره عن الخطبة. فكيف بمن انشغل طوعاً بغيرها دون حاجة؟
المؤلم أن بعض الناس لا يجد وقتاً للنظر في هاتفه إلا في هذه اللحظات المباركة، فتراه يُقلب شاشته، ويتنقل بين الرسائل، وكأنه في مجلس عادي لا في شعيرة عظيمة. وهذا السلوك يدل على غفلة عن قيمة الخطبة، وضعف في تعظيم شعائر الله، قال تعالى: {ومن يعظّم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب}.
إن الإنصات للخطبة واجب، وحضور القلب فيها عبادة، والسكينة أثناءها من تعظيم هذا اليوم. وليس المطلوب فقط ترك الكلام، بل ترك كل ما يلهي: من عبثٍ، أو التفاتٍ، أو انشغالٍ بهاتفٍ أو غيره. فالخطبة فرصة لا تتكرر إلا مرة في الأسبوع، ومن خسرها فقد خسر خيراً كثيراً.
فلنراجع أنفسنا، ولنغلق هواتفنا قبل دخول المسجد، ولنُقبل بقلوبنا قبل جوارحنا، لعلنا نخرج من الجمعة وقد كُتب لنا أجرها كاملاً، لا أن نخرج منها وقد ضيّعناها بأمرٍ يسير، لكنه عند الله عظيم.
الكاتب : عبدالله البقمي
