الشباب هم نبض الأمة ومرآة وعيها الجمعي، فيهم تنعكس صورة الحاضر وتتشكل ملامح المستقبل. مرحلة الشباب ليست عمراً فقط، هي بحث صادق عن الذات ومحاولة لإيجاد مكان في عالم سريع التغيّر، تتزاحم فيه الأصوات وتتعدد فيه الاتجاهات. في هذه الزحمة تبدأ رحلة الهوية… رحلة لا تحتاج إلى تعريف بقدر ما تحتاج إلى اتصال عميق بالذات.
الهوية ليست بطاقة أو لغة أو لباساً، إنها الإحساس بالمعنى، الإحساس بأنك تنتمي لشيء أعمق منك وأكبر منك في الوقت ذاته. وعندما يبتعد الشاب عن هذا الإحساس، يبدأ التشتت: تارة يقلّد الآخرين ظناً أن الحداثة مظهر، وتارة يرفض الجديد خوفاً على أصالته. التوازن ليس في الرفض ولا في التقليد، إنما في الوعي؛ أن نأخذ من العالم ما ينيرنا دون أن نفقد لغتنا الداخلية.
التقنية والذكاء الاصطناعي غيّرا شكل الحياة ووتيرتها، فصار الشاب يتلقى من الشاشات أكثر مما يتلقى من الأسرة أو المجتمع. ومع كل معلومة تتسلل قيم جديدة لا يُدرك أثرها فوراً. هنا تظهر الحاجة إلى الوعي، أن يُدرك الشاب أن ما يراه ليس الحقيقة كلها، وأن الحفاظ على ذاته لا يعني الانعزال، وإنما القدرة على الاختيار الواعي لما يُغذّي عقله وروحه.
الهجرة، الغربة، العمل، التعليم… كلها تجارب تصنع وعياً جديداً، لكنها أحياناً تترك فجوة في الانتماء. الشاب الذي يهاجر جسداً يحتاج ألا يهاجر روحاً، فالأرض التي نشأ عليها ليست تربة فقط، بل ذاكرة ومعنى. الهوية لا تُحمل في الجواز، بل تُحمل في السلوك والقيم التي ترافق الإنسان أينما ذهب.
الوعي الحقيقي هو أن يعيش الشاب أصالته بمرونة، لا بخوف. أن يدرك أن الهوية ليست قيداً يمنعه من التطور، إنما جذراً يمنحه الثبات في التغيير. كلما تعمّق في معرفة ذاته، اتسع أفقه للعالم. وكلما اتصل بروحه، أدرك أن الانتماء لا يُفرض من الخارج، بل يُولد من الداخل، من تلك اللحظة التي يشعر فيها أنه خُلق ليترك بصمته لا ليكرر بصمات غيره.
حين يستيقظ وعي الشباب، تنهض الأمم. فالمستقبل لا يُبنى بالقوة، ولا يُحفظ بالجمود، وإنما بالمعرفة والاتصال بين القلب والعقل. والجيل الذي يعرف من هو، لا يخاف من المجهول، لأنه يحمل بداخله بوصلة تضيء له الطريق مهما تغيّر الزمن.
سلطان العبدالله

