تعصف ضوضاء الحياة الصاخبة بمرافئ الروح وسلامها، ويزدحم الداخل بأوجاع لا تُقال، فيغرق الإنسان بين ركام الأفكار وثقل المشاعر عبر الأيام، إلى أن يقرّ بحاجته الماسة لأدوات تستدعي سكينته الغائبة وتحرره من هذا الثقل الذي تراكم عليه.
وفي خضم هذا البحث عن التحرر والارتقاء، تظهر تقنيات شتى، لكن الجوهر الذي يجمعها هو حضور القلب وصدق النية، ليخلق وعياً يمتد كجسر يصل بين القلب والروح. هذا هو الإكسير الذي يحوّل الكلمات إلى فعل داخلي يعيد ترتيب الطاقة، ببوصلة النية الصادقة. غير أننا ندرك أن الكنوز الروحية الأصيلة والأكمل في مسيرة التحرر، تكمن في الأذكار والأوراد والتوبة والاستغفار؛ هي ليست مجرد "توكيدات" نفسية، بل هي عبادات غايتها القرب من الله، ومنه ينبع كل صفاء نفسي وروحي.
ومن بين ما وصل إلينا من تقنيات التنقية النفسية، تبرز فلسفة "الهوبونوبونو"، تلك التقنية الهادئة القادمة من جزر بعيدة، والتي تنادي بمبدأ المسؤولية الكاملة، أي الإقرار بمسؤوليتنا الداخلية عن كل ما يظهر في محيط وعينا.
ترتكز هذه التقنية على أربع عبارات بسيطة: "آسف"، "سامحني"، "شكراً"، "أحبك".
وحين ننظر إليها بعمق، نجد أنها تلامس أوتاراً جوهرية في الروح الإنسانية، وتتقاطع بجمال مع قيمنا الإسلامية، دون أن تحل محلها.
فـ "آسف" و "سامحني" ليست اعتذاراً سطحياً للآخر بقدر ما هي وقفة صادقة بين الإنسان ونفسه، إنها لحظة تحطيم أصنام الأنا في مناجاة لله، وللذات بالفطرة النقية. كأنك تقول: أنا آسف يا ربي، وآسف لنفسي على كل ما في داخلي من برامج سلبية تسببت في ظهور هذا الألم أو هذه المشكلة في حياتي. هذا الاعتراف هو البداية الحقيقية للإصلاح والتحرر، إذ أنه يذكرنا بعمق مفهوم التوبة والاستغفار، حيث يعترف العبد بتقصيره وذنبه، ويطلب الصفح والتطهير من أثقال الماضي والجراح المتراكمة. فـ "سامحني" هي همسة شفاء للذات وللآخرين، وتحرير للنفس من سجن الماضي وقيود الغرور والأنانية.
أما "شكراً"، فهي عبارة الامتنان التي تحوّل الضيق إلى حالة رضا وتسليم. وهي في جوهرها ليست مجرد اعتراف باللسان، بل هي عمل متجسد وسلوك فعلي. إنها دعوة لاستخدام كل نعمة أنعم الله بها علينا – من صحة، ومال، وعلم، ووقت – فيما يرضيه، لتكون النعمة دليلاً على المنعم. فالشكر هنا يعني أن تُسخر قوتك لخدمة الضعيف، ومالك لستر المحتاج، وعلمك لهداية الحائر، امتثالاً للأمر الرباني: ﴿ٱعۡمَلُوٓاْ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكۡرٗاۚ﴾. هذا الامتنان العملي هو الذي يفتح أبواب النفس لاستقبال الخير والفرص. ويتجلى فينا كمسلمين بالإيمان بأن الشكر هو سلوك يستحق التوفيق.
إلى أن نصل إلى عبارة "أحبك"، التي تعيد الإنسان إلى أصله، إلى نواة الحب الإلهي الذي قامت عليه الأكوان، والرحمة التي أُرسل بها النبي محمدﷺ. الحب هنا هو ترتيب داخلي للنفس يذيب القسوة وينقي القلب، ويعيد الإنسان إلى جوهره الفطري، حيث يكون الحب هو أساس كل فعل وقرار. إنها لحظة استعادة التوازن، وإقرار بأن الفطرة السليمة لا تحمل إلا المودة والرحمة.
بهذا، يمكن للمرء أن يمنح نفسه جلسة يومية قصيرة لتنقية قلبه، يبدأها بـ الصلاة والسلام على النبي الحبيب محمد ﷺ وينوي فيها التوبة الخالصة لله، ثم يستعين بعبارات التنقية هذه، لتفريغ ما علق بنفسه من برامج وأثقال، مُتوكلاً على الله وراضياً بقضائه. فالارتقاء النفسي والروحي لا يأتي بمجرد ترديد بلا شعور، بل بالنية الصادقة التي تصاحب الكلمات، وحضور القلب، وتصحيح النفس. وهكذا تتحول اللحظات اليومية إلى رحلة تنقية حقيقية، يعود فيها الإنسان إلى فطرته السليمة، مستخدماً كل أداة تعينه، مع إدراك أن الأصل والغاية هو القرب من الخالق سبحانه، وأن الأذكار والأوراد هي المعين الأقوى والأبقى لصفاء القلب، ولتجسيد الشكر، وللحب يعيد الإنسان إلى أصله.

