بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله ..
في مشهدٍ بات مألوفًا في شوارعنا، يقف شبابٌ وشابات في طوابير طويلة أمام بعض المقاهي، ينتظرون دورهم للحصول على كوب قهوة لا يختلف كثيرًا – في المذاق أو الفائدة – عن أي قهوة عادية، سوى أنه يحمل اسمًا لامعًا، وكوبًا أنيقًا، وشعارًا صالحًا للتصوير.
العجيب في الأمر ليس القهوة بحد ذاتها، فالقهوة مشروبٌ محبوب منذ قرون، وإنما في كل ما يحيط بها اليوم من مبالغةٍ وسلوكٍ يستحق التوقف عنده. شابٌ يتأخر عن عمله، أو طالبةٌ تؤجل محاضرتها، فقط ليقف دقائق – وربما نصف ساعة – في طابورٍ طويل، ويدفع سعرًا مبالغًا فيه، مقابل كوبٍ لا يسمن ولا يغني من جوع، ولا يحمل قيمة غذائية تُذكر، ولا حتى كيفًا حقيقيًا لعشّاق القهوة الأصيلة.
المحصلة النهائية ليست الاستمتاع بالمشروب، بل الوقوف بجانب المحل، ورفع الهاتف، والتقاط صورة للكوب، وكأن الغاية لم تكن الشرب، بل الإعلان غير المباشر: كنت هنا. صورة تُنشر، وإعجاب يُجمع، ثم يُنسى الكوب كما نُسي طعمه، ويبقى السؤال: ماذا أضفنا لأنفسنا فعلًا؟
لقد تحولت القهوة عند البعض من عادةٍ هادئة أو متعة شخصية، إلى طقسٍ استهلاكي فارغ، يُدار بمنطق الموضة لا الحاجة، وبثقافة التقليد لا الذوق. مادة لا تحمل قيمة تُذكر، لكنها تُغلّف بتسويق ذكي يجعلها تبدو حدثًا يستحق الانتظار والإنفاق والتضحية بالوقت.
الأمر لا يتعلّق بتحريم المتعة أو التقليل من شأن الاختيارات الشخصية، بل بالتساؤل الصادق: متى أصبح الوقت رخيصًا إلى هذا الحد؟ ومتى صارت الصورة أهم من التجربة، والمظهر أسبق من الجوهر؟
إن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس ثمن القهوة، بل ثمن السلوك نفسه؛ حين نعتاد الاصطفاف خلف كل ما يُسوّق لنا، دون تفكير، وحين نقيس قيمتنا بما نحمله في أيدينا لا بما نحمله في عقولنا.
ربما آن الأوان أن نسأل بصدق: هل نشرب القهوة لأننا نحبها، أم لأن غيرنا يشربها؟ وهل نعيش تجاربنا فعلًا، أم نكتفي بتصويرها؟ فحين تصبح الصورة أهم من الفكرة، والكوب أهم من الوقت، نكون قد خسرنا أكثر من ثمن قهوة… خسرنا وعينا.
بقلم الكاتب : عبدالله البقمي
